قطب الدين الرازي

14

الإلهيات من المحاكمات بين شرحي الإشارات ( مع حواشي الباغنوي )

الإشارات والتنبيهات نحن نعلم أنّ كتاب العلم البشري كتب دوما أوراقا ولكن ما أكثر الأوراق الناصعة التي شهدها في طيّاته ، ورغم أنّ بداية ونهاية هذا الكتاب القديم ألقت بهما عواصف التاريخ في عالم النسيان ، إلّا أنّ تلك الأوراق الخالدة لم تسقط من يد العلم والعلماء فحسب بل كانت تزداد مع مرور الأيّام قربا منها . ولا شكّ في أنّ سرّ هذا الخلود هو المقدرة الكامنة في تلك النصوص - في كلا المجالين المعنوي واللفظي - النصوص التي يمكن بحقّ إطلاق اسم رسائل الخلود والبقاء على ساحل محيطها اللامتناهي . وهنا أضيف أنّ سموّ المعنى ، وحسن الإيجاز ، وإيضاح المقصود والعوامل الأخرى التي كان لها دور في عصر الكمال والنضج الفكري - القلمي ، وفي وسط الطراز الأوّل من مشاهير كل فنّ ، كانت العناصر المكوّنة للكتب الخالدة والباقية . وأشير على سبيل المثال إلى الكتب الثلاثة الخالدة في ثلاثة علوم هي الفلسفة والكلام والعرفان ، ورغم أنّ كلا منها صدر من مجال مختلف ، وأحدث في نطاق التاريخ العقلي حركة من نوع آخر - ومتناقضة أحيانا - إلّا أنّها كلّها قيّمة إلى حدّ بعيد ، ومستحقّة للتكريم . هذه النصوص المقتدرة والخالدة هي الإشارات والتنبيهات وتجريد الاعتقاد / العقائد / الكلام وفصوص الحكم حيث إنّها كلّها لها وجه اشتراك مع بعض من العوامل السابقة ، ويتضمّن كلّ منها أسبابا أخرى أيضا من حيث مصدر خلوده ففصوص الحكم هو أكثر الجواهر إشراقا حيث عدّ باعتباره حصيلة عمر كامل من السياحة التي قام بها الشيخ الأكبر في ديار المرسلات القيّمة ، وتجريد الاعتقاد / العقائد / الكلام باعتباره أسمى مقصد في مسيرة فكر الكرام ، والكرامة العقلية - النقلية للخواجة الطوسي . إنّ كلّا من هذين الكتابين لم يؤثّرا إلى حدّ بعيد في تهذيب ، وإكمال ، وتثبيت النحل التي كانت مرتبطة به فقط ، بل إنّهما حظيا بإقبال من العلماء المؤيّدين لمذاهب مؤلّفيها - وليس لنحلهم بالضرورة - والمخالفين أحيانا بحيث لا يمكن تتبّعه في « عصر الفصوص » و « عصر التجريد » في العصور المتأخّرة فحسب ، بل إنّ من الممكن اعتبار مجموعة التقارير ، والهوامش التي كتبت عن هذه الآثار أقوى التيّارات التأليفية - الفكرية في هذا العصر .